أحمد مصطفى المراغي

159

تفسير المراغي

وخلاصة ما تقدم : 1 ) إن الشرك في العبادة الذي يتجلى في الدعاء ، هو أقوى أنواع الشرك ، لأنه يكون باعتقاد ناشئ عن وجدان حاكم على النفس مستعبد لها . 2 ) إن دون هذا - الشرك المبنى على الفكر والنظر الذي يحاجك فيه صاحبه بالشبهات ، المنتزعة من تشبيه الخالق بالمخلوق ، وقياسه على ظلمة الملوك ، كقولهم : إن الإنسان الخاطئ لا يليق أن يخاطب الإله العظيم مباشرة ، بل عليه أن يتخذ له وليا يكون واسطة بينه وبينه ، كما يتخذ آحاد الرعية الوسائط إلى الملوك والأمراء من المقربين إليهم . ومثله من يشرك في ربوبية اللّه باتخاذ بعض المخلوقين شارعين يحلّون له ما يرون تحليله ويحرّمون عليه ما يرون تحريمه فيتبعهم في ذلك 3 ) إن الجزاء في الآخرة يكون تابعا لما تكون عليه النفس في الدنيا من سلامة العقيدة ، ومقدار درجة الفضيلة ، التي يلازمها فعل الخيرات ، أو فساد الفطرة وخطأ العقيدة ، والتدنس بالرذيلة ، التي يلازمها فعل السيئات . 4 ) إن الناس متفاوتون فيما بين ذلك من درجات ودركات ، أخسها الشرك وأعلاها التوحيد ، ولكل منهم صفات تناسبها ، فلو جاز أن يغفر الشرك ويجعل صاحبه مع النبيين والصديقين والملائكة المقربين لكان ذلك نقضا لسنة اللّه التي لا تبديل فيها ولا تغيير . ( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً ) أي هؤلاء المشركون لا يدعون لقضاء حاجتهم وتفريج كربهم إلا أمواتا فقد كانوا يعظمون الموتى ويدعونها كما يفعل ذلك كثير من أهل الكتاب ومسلمى هذه القرون ، أو إلا إناثا كاللات والعزّى ، وقد كان لكل قبيلة صنم يسمونه أنثى بنى فلان ( وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ) أي وما يعبدون بعبادتها إلا شيطانا مريدا ، إذ هو الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم بها ، فكانت طاعتهم له عبادة .